تقول مصادر ديبلوماسية في بيروت ان الهجمات او التهديدات الكلامية المتبادلة بين مسؤولين سوريين واسرائيليين لا يمكن تحميلها اكثر مما تحتمل في شأن حرب محتملة بين البلدين، خصوصا ان الكلام التهديدي العالي النبرة من جانب سوريا لم يصدر عن الرئيس بشار الاسد، والكلام الاسرائيلي لم يصدر عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
بل ان موقف كل منهما كان "مدوزنا" على نحو يرتب عليهما قيادة الموقف الحقيقي او الفعلي لكل من البلدين. فالرد والرد المقابل كانا من جانب وزيري خارجية البلدين، خصوصا ان تصريحات وزير خارجية اسرائيل افيغدور ليبرمان تندرج اكثر في اطار المزايدة والاستهلاك الداخلي، في حين ان الكلام السياسي والديبلوماسي الذي يعول عليه في شأن المنطقة يحصل مع نتنياهو، الذي يعتقد انه بات اقرب الى ان يلعب اللعبة السياسية في اسرائيل من موقع الوسط بدلا من موقع اليمين. وهذا الاخير سعى الى لملمة انعكاسات ما هدد به ليبرمان بالسعي الى التعميم على وزرائه عدم اصدار اي مواقف في ما يتعلق بسوريا، في حين يبدو لمطلعين كثر وفق بعض المعطيات المتوافرة ان العمل جار على محاولة معاودة المفاوضات بين سوريا واسرائيل بمحفزات اكبر لسوريا هذه المرة، اوروبيا وحتى اميركيا في رأي هؤلاء، من خلال اتجاه واشنطن الى تعيين سفير اميركي جديد في العاصمة السورية. وهذا العمل اخذ بعدا جديدا على اثر زيارة المبعوث الاميركي للمنطقة جورج ميتشل الذي ترك انطباعات في بيروت عن رؤية اميركية يحملها معه في اتجاه عدم ممانعة الولايات المتحدة في معاودة المفاوضات المباشرة بين سوريا واسرائيل عبر تركيا، باعتبار ان واشنطن كانت متحفظة سابقا عن ذلك ولا تزال تدفع في اتجاه اولوية المسار الفلسطيني - الاسرائيلي. وهذا الانطباع تركته ايضا زيارة عضو مجلس الشيوخ الفرنسي رئيس جمعية الصداقة الفرنسية - السورية فيليب ماريني لسوريا في اطار متابعة العلاقات الفرنسية مع دمشق والرغبة في المساعدة الى جانب تركيا في معاودة المفاوضات غير المباشرة بين البلدين، بحيث لم يخف ماريني انه لمس من الرئيس السوري الرغبة في دفع الامور قدما الى الامام خوفا من ان يؤدي عدم تحريكها او الجمود الذي يسيطر عليها الى اخطار او خيارات صعبة، كالحروب مثلا. والتحرك الاوروبي، الفرنسي تحديدا، بالاضافة الى تحرك لاسبانيا ايضا بوصفها رئيسة المجموعة الاوروبية في هذه الآونة، يأتي بناء على تحفيز من ميتشل الذي اقترح ابان زيارته لفرنسا من ضمن جولته الاخيرة ان تضع اوروبا جهودها جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة في السعي الى دفع الامور قدما وان الولايات المتحدة تقدّر مساعي تقوم بها اوروبا في هذا الاتجاه. ومعلوم ان اوروبا تبدو في موقع الامتناع او عدم القدرة على القيام بأي تحرك او مسعى في ظل حصر الولايات المتحدة موضوع المنطقة في يدها، خصوصا مع الاهتمام الذي اولاه الرئيس باراك اوباما للصراع في الشرق الاوسط منذ وصوله الى البيت الابيض وخطابه في القاهرة في حزيران 2009 وانكفاء اوروبا عن القيام بأي دور، وكذلك عدم ارتياح الدول في المنطقة الى قدرة اوروبا على انجاز اي شيء وبقاء التعويل على اميركا في الدرجة الاولى، رغم ان الآمال الاوروبية تراجعت عموما في قدرة اوباما على تحقيق اي انجاز كبير في موضوع المنطقة. وبحسب المصادر الديبلوماسية نفسها، فان المعطيات المتوافرة لا تشي بان حربا بين سوريا واسرائيل تبدو امرا محتملا في المعطيات الراهنة، لاعتبارات متعددة من بينها عدم وجود اسباب فعلية تحتّمها، والضجيج السياسي الاعلامي الاخير الذي لا يمكن اعتباره مؤشرا لذلك، فضلا عن عدم الرغبة في تضييع الاهتمام الغربي وتحييده عن ايران وملفها النووي في الدرجة الاولى، في وقت يشجع الغرب عموما واوروبا خصوصا سوريا من اتجاهات عدة وبحوافز مختلفة من اجل رسم مسافة بينها وبين ايران. ويعتقد ان بعض التقدم حاصل على هذا الصعيد، اقله في تباين وجهات النظر في بعض الملفات والقضايا واقتراب سوريا من المملكة العربية السعودية في الاشهر الاخيرة، بغض النظر عن احتمالات ارتباط ذلك بامكان معاودة المفاوضات غير المباشرة ام لا، وبامكان ان تؤدي الى اي شيء عملي ام لا، نظرا الى ان معايير الاعتبار الاخير مختلفة كليا عن مبدأ معاودة التفاوض في ذاته. ورغم ان تقويم جولة ميتشل الاخيرة في المنطقة قبل اسابيع قليلة انتهت الى تأكيد الانطباعات بمراوحة الامور مكانها، وهو واقع لا تدحضه الوقائع على الارض حتى الآن، فان هناك تعويلا كبيرا على الاقل من جانب بعض الديبلوماسية الاوروبية على الرغبة في استمرار العمل لانجاز بعض التقدم، بالاستناد الى تقدم بسيط لحظه ميتشل في مواقف رئيس الوزراء الاسرائيلي، اقله في المقياس الاميركي ونية توظيف ذلك من اجل المتابعة في المرحلة المقبلة والسعي الى احياء اللقاءات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، إن لم يكن معاودة المفاوضات بينهما في مرحلة اولى. وتاليا، لا تحبذ الولايات المتحدة تضييعا للجهود التي بذلتها ايا يكن ما ادت اليه حتى الآن.